أحمد بن محمود السيواسي

191

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

لا في الدين ، وهم شهاداء أحد ( وَقَعَدُوا ) أي وقد قعدوا عن القتال في المدينة ، والواو للحال ( لَوْ أَطاعُونا ) في القعود عن الجهاد والانصراف عن محمد عليه السّلام ( ما قُتِلُوا ) بالتخفيف والتشديد « 1 » ، ثم قال تعالى لنبيه توبيخا وتعجيزا لهم ( قُلْ فَادْرَؤُا ) أي ادفعوا ( عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ) إذا حضر برأيكم وحيلكم ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [ 168 ] في مقالتكم من أن القعود عن القتال سبب النجاة من الموت لا غيره ، لأنه يجوز أن يكون القتال سببا للنجاة ، ولو لم يقاتل رجل « 2 » لقتل وله أسباب أخر ، فما يدرككم أن سببها القعود ، وإن الحذر لا ينجي من القدر ، وقيل : لما نزلت هذه الآية مات يومئذ سبعون نفسا « 3 » من المنافقين « 4 » في المدينة « 5 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 169 ] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) ثم نزل في شهداء بدر وأحد وغيرهم قوله « 6 » ( وَلا تَحْسَبَنَّ ) بالتاء والياء « 7 » والفاعل النبي عليه السّلام أو غيره ، أي لا يظنن النبي ( الَّذِينَ قُتِلُوا ) بالتخفيف والتشديد « 8 » ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي في طاعته ( أَمْواتاً بَلْ ) هم ( أَحْياءٌ ) مقربون ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) وهو عطف جملة على جملة ، والغرض الإعلام بحياتهم ترغيبا في الجهاد ولو عطف « أحياء » على « أموات » لاختل المعنى ، لأنه يصير التقدير : لا تحسبنهم أحياء ، المعنى : أنهم يتنعمون « 9 » كالأحياء عند ربهم ( يُرْزَقُونَ ) [ 169 ] مثل ما يرزق سائر الأحياء من المآكل والمشارب ، وهو تأكيد لكونهم أحياء . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 170 ] فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) ( فَرِحِينَ ) أي معجبين ( بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) من التوفيق في الشهادة والكرامة والفضيلة على غيرهم ( وَيَسْتَبْشِرُونَ ) أي وهم يطلبون البشارة ( بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ) أي باخوانهم الذين لم يقتلوا وبقوا بعدهم ، ومحل قوله ( أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) جر بدل من « الذين » ، أي يستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين من عدم خوف لهم فيما يستقبلهم من البعث يوم القيامة ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ 170 ] أي ومن عدم حزنهم على ما خلفوا في الدنيا ، يعني يفرحون يومئذ بسلامة إخوانهم الباقين بعدهم حيث وصلوا إليهم آمنين ، وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن بعدهم بعث « 10 » للمؤمنين الباقين على ازدياد الطاعة والجد في الجهاد والرغبة في منازل الشهداء . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 171 ] يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 ) ثم كرر الاستبشار للتأكيد بقوله ( يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ ) أي بجنة ( مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ) أي بكرامة فيها ( وَأَنَّ ) بالفتح ، أي وبأن ( اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ 171 ] وبالكسر « 11 » على الاستئناف ، أي ثواب أعمالهم الحسنة ، روي عن عليه السّلام : « السيوف مفاتيح الجنة » « 12 » ، وعنه أيضا : « الشهيد يشفع في سبعين من أهله » « 13 » ، وعنه أيضا : « أرواح الشهداء في جوف طير خضر تدور في الجنة وتأكل من ثمارها ، ثم تأوي إلى قناديل من ذهب

--> ( 1 ) « ما قتلوا » : قرأ هشام بتشديد التاء والباقون بتخفيفها . البدور الزاهرة ، 72 . ( 2 ) رجل ، م : - ب س . ( 3 ) نفسا ، م : - ب س ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 314 . ( 4 ) أخذه المصنف عن السمرقندي ، 1 / 314 . ( 5 ) في المدينة ، م : - ب س . ( 6 ) اختصره من البغوي ، 1 / 579 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 110 ، 111 . ( 7 ) « ولا تحسبن » : قرأ هشام بخلف عنه بياء الغيب ، والباقون بتاء الخطاب . البدور الزاهرة ، 72 . ( 8 ) « قتلوا » : قرأ ابن عامر بتشديد التاء ، والباقون بتخفيفها . البدور الزاهرة ، 73 . ( 9 ) يتنعمون ، ب س : تنعمون ، م . ( 10 ) بعث ، ب س : حث ، م . ( 11 ) « وأن » : قرأ الكسائي بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 73 . ( 12 ) انظر السمرقندي ، 1 / 315 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 13 ) أخرج أبو داود نحوه ، الجهاد ، 28 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 315 .